فــلســــفةالصوم عندالســـيدالصرخي الحســني/بقـــــلم ايــــادالفريـــــجي
استوقفتني عبارات وجمل سطرها السيد الصرخي الحسني في رسالته العملية (المنهاج الواضح / كتاب الصوم) حيث يقول في مقدمته : ((ان شهر رمضان وما يتميز به من توجيهات وعبادات لو التزم بها كل انسان وجعلها منهجاً وسلوكاً في حياته لوصلنا الى المجتمع المتكامل المثالي )).
قلت في نفسي اي التزام هذا يجعل من المجتمع متكاملاً ومثالياً لهذه الدرجة فيأتي الجواب سريعاً من قبل السيد الصرخي الحسني بعد قرأة المقدمة كاملةً والجدير بالذكر ان ما يتميز به السيد الصرخي الحسني عن باقي العلماء هو جعل مقدمة اخلاقية وتربوية وعبادية في مقدمة كل جزء من اجزاء رسالته العملية (المنهاج الواضح )
حيث يقول السيد الصرخي الحسني : (( ان الله سبحانه وتعالى لم ينصب نفسه هدفاً وغاية للمسيرة الانسانية لكي يطأطئ الانسان رأسه ويتذلل بين يديه من اجل تكريس ذاته المقدسة فحسب , بل اراد بهذه العبادة ايضاً ان يبني الانسان الصالح المتكامل القادر على تجاوز ذاته والمساهمة في المسيرة الشمولية لجوانب الحياة المتنوعة حيث حرص المولى الشرعي على ان يكسب الانسان الصالح المتكامل روح العبادة في كل اعماله وتصرفاته ويحولها الى عبادات كما ورد عن النبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم ) ] ان استطعت ان لا تأكل ولا تشرب الا لله فأفعل [ .اضافة لذلك فقد صيغت العبادة في الشريعة المقدسة بطريقة جعلت منها في اغلب الاحيان اداة ووسيلة لعلاقة الانسان بأخيه الانسان والتأكيد على ان العلاقة العبادية ذات دور اجتماعي في حياة الانسان ولا تكون ناجحة الا حين تكون قوة فعالة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيهاً صحيحاً , وبعبارة اخرى ان الانسان لم يخلق ولم يوجد اساساً الا في نسيج عام لا ينسجم ولا يحفظ كيانه الا مع تعاليم الله سبحانه وتعالى , فجعل الانسان مرتبطاً بالمجموعة البشرية بقوانين من التعامل والسلوك .
الاول : حب الاخرين :- فكل مسلم بل كل انسان مطالب بحب الاخرين وعدم حمل الحقد والضغينة في قلبه عليهم وعليه ان يترجم ذلك في سلوكه واحساسه فيتألم لألم الاخرين ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم .
الثاني : السعي في حوائج الاخرين :- وهذا القانون يمثل الترجمة العملية والتطبيق الواقعي لما حس وشعر به تطبيقاً للقانون الاول )).
وبعد هذا الكلام يتطرق السيد الصرخي الحسني عن الصيام بصورة عامة وعن شهر رمضان ليله ونهاره بصورة خاصة ذاكراً الموارد الشرعية التي تدل على افضلية واشرفية هذه الليالي والايام لكنه يتناول الحديث في مستوى اخر من المستويات التي تخص هذا الشهر الفضيل ويضعها لنا في مستويين (الاول : مستوى الشخص والفرد , الثاني : المستوى الاجتماعي )
ففي المستوى الاول يوضح لنا السيد الصرخي الحسني ان الحياة الدنيا جسر للأخرة وانها دار اختبار وابتلاء وان الانسان العاقل السوي ان يؤجل شهواته ويسيطر عليها ويوجهها بما يرضى به الشارع المقدس لترتيب الجزاء والثواب وبخلاف ذلك يترتب العقاب في الدنيا والاخرة وفي هذا المستوى نرى كيف يطرح السيد الصرخي الحسني المشاكل التي تواجه الفرد وكيفية معالجتها في جوانبها الرئيسية والغرض من ذلك كله هو الوصول بالفرد الى التكامل وبالتالي انعكاس ذلك وتأثيره في تكامل المجتمع ومنها
اولاً : الجانب الحيوي (البايلوجي ) :- حيث يذكر لنا السيد الصرخي الحسني في هذا الجانب فوائد الصوم من الناحية الصحية والجسدية فهو يزكي ويقي البدن من العديد من الامراض والجراثيم بما يقارب المئتين حسب اخبار بعض اهل الاختصاص ولا يخفى على الجميع حاجة الانسان الى الطعام والشراب وهو ضروري لتحقيق التوازن الحيوي والاسلام لم يترك هذه الحاجة والرغبة بدون ضابطة وقانون يتحكم بها بل جعل لها سلوكاً متوازناً ومناسباً .
ثانياً : الجانب النفسي والاخلاقي :- حيث يطرح السيد الصرخي الحسني في هذا الجانب ما بقوله ( ان الصيام في شهر رمضان بل في كل الايام هو عمل وفعل سلبي وعدمي ليس فيه تظاهر امام الخلق ولا يدخله الرياء ولا طلب الجاه ولا السمعة ولا الشهرة غالباً ...... ويعتبر الصوم من مظاهر التدريب النفسي والبدني على تحمل الشدائد وعدم الجري واللهث وراء النعيم الدنيوي من المأكل والمشرب والشهوة) .
ثالثاً : الجانب العبادي :- وهنا يطرح السيد الصرخي الحسني اشكالاً قد يرد في اذهان البعض ويرد عليه باسلوب سهل ممتنع حيث يقول : (( رب قائل بأن الجانب الصحي يمكن تحقيقه بدون الالتزام بالصوم في شهر رمضان او في غيره من الايام وذلك بتمرين النفس وتعويدها التقليل من الطعام ومن وجباته حتى يبقى وجبتان او وجبة واحدة في اليوم وكذلك الجانب السلوكي يمكن ان يتحقق عند الانسان بعد تمرين وتعويد النفس على السلوك الصحيح الاخلاقي وتكرار ذلك ومعايشته حتى تنمو وتتأكد في نفس الغريزة الاخلاقية الحسنة وترك العمل به حتى تصل النفس الى مرحلة النفور من ذلك السلوك السلبي مما يؤدي الى عدم صدوره من ذلك الانسان فيستطيع الانسان ان يمرن ويروض نفسه على الشجاعة والرحمة وغيرها فتصبح جزء من سلوكه وفعله الخارجي وهكذا وعليه لا يبقى ثمرة لتشريع الصيام للإجابة على ذلك نذكر تعليقين في المقام :
الاول : ان المشرع الاسلامي واي مشرع اخر عندما يشرع قانوناً فهو يأخذ بنظر الاعتبار الحالة النوعية والعامة للمجتمع لا الحالة الشخصية الخاصة بالفرد او لبعض الافراد وفي المقام فان الغرض من تشريع العبادات كما قلنا هو لاصلاح وتكامل الشخصية الاسلامية للمجتمع المسلم باكمله لا شريحة دون اخرى ومن الواضح ان الحالات التي ذكرها المستشكل نادرة وان الكثرة العظيمة من الناس تستفيد من هذا القانون الالهي وهذه الثمرة لا يمكن لعاقل ان ينكرها .
الثاني : ان الانسان مهما امتلك من العلم والفكر فان عقله يبقى قاصراً عن ادراك ملاكات ومصالح الاحكام وهذا يعني وجود عنصر غيبي لا يستطيع الانسان معرفته ولا تفسيره التفسير المادي المحسوس وقلنا سابقاً ان مثل هذا العنصر الغيبي في العبادة يعمق ويؤكد الايمان والارتباط بالله تعالى وان ذلك العنصر هو المقياس للانقياد والاستسلام في العبادة وعليه فكلما كان العنصر الغيبي اعمق في الايهام وابعد عن ادراك العقول كان انقياد العابد واستسلامه للمعبود في العبادة اكبر واذا كان الانقياد والاستسلام اكبر كان اثرها في تعميق الربط بين العابد وربه اقوى ...)).
وفي المستوى الثاني وهو (المستوى الاجتماعي ) يذكر لنا سماحة السيد الصرخي الحسني من ان احد اهداف العبادة هو بناء الانسان الصالح المتكامل القادر على تجاوز ذاته والمساهمة في المسيرة الشمولية التكاملية للمجتمع في كل مجالات الحياة فجعلت عبادات الانسان واعماله في سبيل الله تعالى وهذا السبيل في الحقيقة طريق وممر ووسيلة وكاشف عن السبيل لخدمة المجتمع الانساني لان كل عمل من اجل الله تعالى هو من اجل عباد الله لان الله غني عن عباده ويؤيد هذا او يدل عليه قول النبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) ] انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق [ فالصيام هو احد العبادات يوفر الارضية المناسبة لعلاج الشخصية الاسلامية من الجانب العبادي والصحي الحيوي والنفسي والسلوكي ....
ايـــاد الفريــــجي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق